إقتصادوطني

حوار نور الدين بوكروح ل ‏‎(ECO-TIMES)‎‏:‏

‏"ستواصل البشرية مسارها نحو الأمام مهما حدث"‏

الجزائر-نور الدين بوكروح، مراقب متبصر للأحداث الجزائرية و المغاربية والعالمية ، ناشط سياسي ومفكر ‏مجدد، يتفحص من خلال هذا الحوار وضع الجزائر والمغرب العربي والعالم. حلل الراهن، كشف عن ‏التناقضات وقادنا إلى المستقبل. هو يؤمن إيمانا راسخا بقدرة الإنسان على مواصلة عمل البنائين ‏السابقين، ولكن من أجل ذلك، لمواصلة رسالته التاريخية بدقة، يجب على الإنسان العودة إلى الأسس، أي ‏التصور الدقيق للواقع وروح عمل لا تنهزم.‏

ح.عمارة:  فلنبدأ حوارنا سيد بوكروح، بحديث الساعة، الوباء الذي عرف بكوفيد -19 وركود النشاط ‏الاقتصادي في البلاد. فقد أدى الافتقار إلى آليات دعم التشغيل، مثل البطالة الجزئية، إلى إغراق الغالبية ‏العظمى من الجزائريين في وضع غير مستقر، ولا سيما عمال المكسب اليومي وأولئك الذين “يعملون” ‏في النشاطات الإقتصادية الموازية. كما أثر هذا التذبذب المفاجئ والعنيف أيضًا على العاملين في القطاع ‏الخاص حيث، كما يعلم الجميع، العقود بلا ضمانات والشركات لا تصرح بعمالها. أقصد هنا بشكل خاص ‏الشركات التجارية الصغيرة جدًا أو المقاولين الفرعيين. كل هذا يضعف في نهاية المطاف قوى الشغل ‏الوطنية ويعرض عائلات بأكملها لإنهيار اجتماعي. كيف تحلل هذا الوضع؟ ولماذا نواجه نفس العواقب ‏في كل أزمة؟

 ن. بوكروح: إذا كنت لا تمانع سأبدأ من حيث انتهيتَ. بشكل عام، لطالما فاجأت الأزمات بلدنا وشعبنا ‏وقادتنا، لأن أساس رؤيتنا للعالم، للإله، للعلاقة بين البشر والله، للدين، لسبب وجود الإنسان على الأرض، ‏للمجتمع، للدولة، للاقتصاد وللسياسة الخارجية خاطئة في كل من هذه النقاط.‏

‏ نحن لا ندرك حتى المسلمة الأولى بأن تاريخنا منذ الاستقلال ليس تاريخ إنجازاتنا وسياساتنا وعبقريتنا، بل ‏تاريخ محروقاتنا في الأسواق الدولية، والتي بدونها كنا سنكون اليوم أفقر دولة على هذا الكوكب، وعلى أية ‏حال، كل المؤشرات تدل على أننا سنكون كذلك وعلى المدى الطويل.‏

بناءا على ما سبق، يجب أن نشكر الله على أنه أُعلِن عن فيروس كورونا كوباء عالميّ وليس وباءا وطنيا. ‏لو كنا وحدنا في هذه المحنة، وكان علينا الاعتماد فقط لمواجهتها على “فهامتنا”، على عبقرية شعب ” ‏المسلمين مكتفين” و” شعب المعجزات” الذي يؤمن بالخوارق، لكانت أضرار وعواقب الفيروس التاجي ‏أكثر خطورة بكثير.‏

لكن لا داعي للحديث عن ذلك، الحمد لله فالأزمة عالمية، ويكفي فقط التقليد بنسخ ولصق، بسلوك المسارات ‏التي عثرت عليها الدول الحقيقية: إجراءات العزل، الحجز الصحي، ارتداء الكمامة، الفحوصات المخبرية، ‏الكلوروكين، في انتظار العلاج الجذري. لكن هذه الإجراءات كان لها تكاليفها وانعكاساتها التي أدت إلى ‏ركود عالمي في النشاط الاقتصادي والاجتماعي ونمو سلبي بعدة نقاط في الناتج المحلي الخام وزيادة كبيرة ‏في المديونية العمومية.‏

لقد سألتني عن التفاصيل، وأجبتك عن الأساسيات، في الأصل لم يكن لدينا اقتصاد. فكيف نأسف لنقص ‏شيء لم يكن موجودا منذ البداية؟ لو كانت سياساتنا الاقتصادية تفتقر فقط إلى نظام دعم للبطالة الجزئية ‏كنتيجة للحجر، وإذا تمت محاربة‎ ‎الإقتصاد الموازي منذ بوادر ظهوره، ما كانت هذه الأسئلة لتطرح اليوم.‏

لطالما كان اقتصادنا العام، الذي يعاني من عجز مزمن، مجرد وسيلة لإعادة توزيع جزء من ريع النفط على ‏الشعب، في حين أن اقتصادنا الخاص، لم يكن سوى مدرسة تدريب لتقنيات الفساد، غسيل الأموال، ‏الاستيلاء على النفقات العمومية وتهريب العملة الصعبة من طرف السلطة وعملاءها. كانت الدولة عبارة ‏عن مغارة علي بابا، ومؤسساتها أماكن وأدوات للفساد والثراء غير المشروع في أيدي عصابات لا ذمة لها ‏ولا قانون يردعها. ‏

أُنظر حول العالم، ابحث في الأخبار الحالية أو التاريخ القديم لدول العالم: هل تجد في أيّ منها حجم فساد ‏كالذي لدينا في أعلى هرم السلطة؟ هل كان هناك هذا العدد الكبير من الجنرالات بين مسجون أو هارب في ‏الخارج؟ إن المشهد الذي قدمته بلادنا فريد من نوعه في العالم، وغير مسبوق في تاريخ البشرية، هذا ونحن ‏بعيدين عن معرفة كل شيء دار في الكواليس ودهاليز عهد إمبراطورية الفساد للقيصر بوتفليقة و “النظام” ‏منذ الاستقلال. نحن نعرف فقط ما سربه صراع الأجنحة من أجل إبرام عقد جديد للحكم.‏

ح.عمارة:  لقد سُلمت البلاد منذ عهد صندوق النقد الدولي في التسعينيات إلى رأسمالية عدوانية خنقت ‏كل القضايا الاجتماعية، الحديث عن هذه الأخيرة اختفى على مرّ السنين حتى من الأحزاب السياسية. ‏فبمجرد أن يتعلق الموضوع بالمسألة الاجتماعية، تظل الأطراف بعيدة عن الأضواء ولهذا السبب رأينا ‏ظهور نقابات مستقلة جديدة أو تمردات نقابية عرضية. هذا رغم أن قادة الثورة الجزائرية خططوا أساسًا ‏لبناء دولة اجتماعية مند الاستقلال، بمعنى دولة تسترجع السيطرة على زمام الروافع الاقتصادية من ‏أيدي المعمرين من ناحية، ومن ناحية أخرى تطور سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية القادرة على ‏السماح للجزائريين باستعادة كرامتهم والوصول إلى الرفاهية. ماذا تبقى من هذا المشروع اليوم؟ ألا ‏يوجد بالنهاية بديل لهذه الرأسمالية العدوانية؟

ن.بوكرح:إن ما تسميه “الرأسمالية العدوانية” هي مجرد خدعة كبيرة تقوم بها الحكومة ورجال أعمال ‏مزيفون لتقاسم أموال النفط. يجب علينا أيضا أن ننصف صندوق النقد الدولي، الذي لم يلحق ضررا ‏بالجزائر، على عكس قادتها ورجال أعمالها. هذه المؤسسة هي بنك يقدم قروضا على المدى القصير تابع ‏للأمم المتحدة استجاب لنداءات الاستغاثة التي أطلقناها بين عامي 1990 و1994 لإنقاذنا بشكل عاجل ‏وإعادة جدولة ديوننا الخارجية. و هو‎ ‎يتدخل بناءً على طلب أي دولة عضو في الأمم المتحدة وصندوق النقد ‏الدولي في حالة إفلاس وإعسار للخروج من أزمة وفقًا لتصور معروف وجدّ عقلاني للمساعدة المالية.‏

قادة الثورة التحريرية الذين صاغوا بيان أوّل نوفمبر 1954 وحددوا أهداف الثورة بما في ذلك بناء “دولة ‏ديمقراطية واجتماعية”، لم يذكروا كيف نصل إلى ذلك. فضلا عن أن الصيغة في حد ذاتها كانت نقلا حرفيا ‏عن مادة من الدستور الفرنسي لعام 1946.‏

حاول “برنامج طرابلس” قبيل الاستقلال تحديد طريقة ووسيلة لتحقيق هذا الهدف المثالي باتباع النهج ‏المتبع آنذاك: إقامة دولة قومية يقودها حزب واحد واقتصاد اشتراكي. هدف مثالي يمكن أن يكون توافقيًا ‏كغاية، لكنه مثارة للانقسام حول الطريقة التي يجب إتباعها لتحقيقه. كل “تواريخ” الثورة كانت متفقة حول ‏الاشتراكية والحزب الواحد، لكنها عارضت بعضها البعض حتى الموت حول موضوع السلطة.‏

في نهاية مسارها، لا الاشتراكية ولا الليبرالية طورت الجزائر، التي اكتشفت هذه السنة (2020)، أنه تم ‏تسليمها مكبلة الأيدي والأقدام إلى قادة ورجال أعمال فاسدين، سوّوها بالأرض.‏

لا يوجد في العالم مثال معروف لاقتصاد اشتراكي ناجح. يمكن فقط مقارنة مصير كوريا الشمالية بمصير ‏كوريا الجنوبية. كما أن الصين كانت تتضوّر جوعًا في ظل الاشتراكية وأصبحت تقريبًا أكبر اقتصاد في ‏العالم مع الرأسمالية. في روسيا، مصر والجزائر، لم يؤدي التسيير الإداري للإقتصاد إلى نظام رأسمالي، بل ‏إلى ظهور “طبقة سياسية ذات امتيازات خاصة “نومنكلاتورا” وأقلية اقتصادية‎ ‎مسيطرة “أوليغارشيا”‏‎ ‎جشعة.‏

لم يعد الاختيار يفرض بين التسيير الإداري والرأسمالية. فقد وصلت هذه الأخيرة أيضا إلى حدها الأقصى ‏مع تمويل الاقتصادات ونقلات أخضعت الاقتصاد الحقيقي للمراهنين والبورصات، بالمضاربة‎ ‎وبحفنة من ‏الأشخاص والشركات متعددة الجنسيات.‏

كشف وباء فيروس كورونا عن الكثير من الأشياء التي تجبرنا على إعادة التفكير في النظم الاقتصادية ليس ‏من خلال مراجعة النظريات، ولكن من خلال اعتماد نماذج على أساس كل حالة على حدى‎ ‎وفقًا ‏لخصوصيات كل دولة واحتياجات المبادلات الدولية. ستكون هناك تصحيحات عميقة في الرؤية ومراجعة ‏قواعد التداول. هدا الأمر حاصل لا محالة، ويجب أن تبدأ بلادنا بالعمل على النموذج الذي يناسب إمكاناتها ‏من حيث الموارد الاقتصادية والبشرية وبيئتها الطبيعية واحتياجاتها الخارجية.‏

ح.عمارة:  لقد ذكرت سابقاً امتلاك الرافعات الاقتصادية كشرط لأي سياسة تنموية، لكن دعنا نرى ما هو ‏في الواقع. لا يزال اقتصادنا يعتمد في معظمه على عائداته من النفط والغاز، وقريباً – حسب الحكومة – ‏المعادن النفيسة، ناهيك عن الحل الخطير لاستغلال الغاز الصخري. باختصار، نتحدث مرارًا وتكرارًا عن ‏باطن الأرض. ألا يمكننا أن نفعل شيئًا بالأرض نفسها، مع الزمن والإنسان، لو وظفنا مبدأ مالك بن نبي، ‏لإطلاق ديناميكية الحضارة؟ إلى ما يعود هذا النقص في الطموح والروح الريعيّة في علاقتنا بالاقتصاد ‏والمجتمع؟

ن.بوكروح: هذا يعيدنا إلى ما قلته لك في بداية هذا الحوار حول رؤيتنا للعالم، رؤية فقيرة في الحقائق ‏وغنية بالأخطاء. أطلق بن نبي على هذه العوامل الثلاثة (الإنسان والتراب والزمن) “الثروات الدائمة” لأمة ‏أو حضارة أو‎ ‎أي‎ ‎مجموعة بشرية مهما كانت. هذه الثروات لا تنفد مثل المعادن أو الوقود الحفري، فهي ‏رأس مال دائم تحفزه فكرة، ورؤية للعالم، وهدف مثالي كذلك‎ ‎الذي ورد في بيان الفاتح من نوفمبر ‏‏1954،على السياسي أن يجمع هذه العوامل الأساسية في رؤية إبداعية ومحفزة تأخذ شكل برنامج محرِّك، ‏مشروع مجتمع توافقي ونموذج تنمية عملي براغماتي.‏

نمتلك منذ ثلاثة آلاف سنة تربة غنية بأبعاد قارة، و ديموغرافية‎ ‎نشطة، ووقت ضائع غير مستغل، ولكن ما ‏لم يكن لدينا أبدًا هو رؤية وطنية، مشروع مجتمع يتكيف مع واقعنا وإمكانياتنا، وقبل كل ذلك لم يكن لدينا ‏أبدا قادة مستنيرون‎ ‎مؤهلون ومخلصون.‏

ولا يزال بلدنا التعيس ينتظر هذه الرؤية‎ ‎وهذه النوعية من الرجال.ما إقتُرِح عليه منذ الاستقلال هو ‏الاشتراكية الزائفة التي ولّدت دينًا خارجيًا قدره 24 مليار دولار (1989)، وليبرالية كاذبة رفعت الدين إلى ‏‏36 مليار (1999) و إسلاموية أسفرت عن مقتل 250 ألف شخص. اليوم، أعتقد أننا نريد العودة به إلى ‏المرابطية التي كانت منتشرة في دواويرنا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.‏

ح.عمارة:   نعم، اعتقدنا أنّ الجزائري سيخرج من بؤسه و من قمع الإستعمار له… إلى اليوم، يكفي ‏الذهاب في يوم من أيام السوق إلى أيّ مدينة جزائرية لنرى كيف يتجمع الناس حول المخادعين والدجالين ‏الذين يقدمون حلولاً معجزة لكل العلل وغيرها من “بابا سالم”. يتولد لدينا انطباع بأننا نعيش حقًا ديكور ‏فيلم”كرنفال في دشرة”، الفيلم اللاذع لمحمد اوقاسي (1994)، حيث جسد الحاج إبراهيم أو سي ‏مخلوف البومباردي أو العلوش واقعنا بكل شفافية. من أين تأتي هذه الحتمية وهذا الانجذاب إلى ‏الشعوذة؟

ن. بوكروح: من جهتي، لم أعتبر هذا الفيلم قط خيالا سينمائيا أو كوميديا أو محاكاة ساخرة، بل تقريرا حيّا و ‏بثّا مباشرا لمشاهد من حياتنا الوطنية في واقعها، “أصالتها” وشفافيتها كما ذكرت.‏

هذه “القدرية” المحيطة، هذا الانجذاب إلى الشعوذة، يأتي من ماضينا القريب من الدوار، عبادة المرابطين، ‏الطب الديني، بركة رجال الدين، “البخور” و “الجاوي” الذي عاود الظهور في أوج قوته تحت حكم آل ‏بوتفليقة ورجالهم المزيفين. قام الاستعمار بحماية هذه الممارسات وشجع على انتشار “الزوايا”. وقد عادوا ‏بقوة في أعقاب الإسلاموية المنحطة التي استحوذت على عقولنا والثقافة المرابطية التي تهدف إلى إغواء ‏الجماهير من أجل كسب انقيادها وقتل روح الاحتجاج داخلها.‏

هذه الأيديولوجية لها نظام دفاعي من نوع “باتريوت” مع صواريخ تهاجمك وتتهمك عبر وسائل الإعلام ‏المأجورة و “الذباب الإلكتروني” المسيّر عن بعد بأنك ضد “إسلام أسلافنا” و “الثوابت الوطنية”، إذا أنت ‏نددت.‏

لسنا بحاجة إلى أتباع زائفين، “شوافين”، “ديوان صالحين”، موزعي نسخ القرآن، معزين بكّائين وعرافين. ‏نحتاج تقارير عن الوضع في البلاد، لمعرفة حقيقة تسييرها، لمعرفة ما يحدث في تأطير جيشنا، لمعرفة ‏المخاطر والتهديدات التي تتربص بحدودنا وأرضنا.‏

للشعب الحق في المطالبة بالاطلاع على الحقائق، وليس الخطب المطمئنة زورًا، والتبجج الأحمق و لغة ‏الخشب التي تهدف إلى إبعاده جانبا مثل قطيع من الأغنام غير المعنيين. فحياته، مستقبله، بلده، مؤسساته، ‏جيشه وأمواله هي موضع الجدل. يحتاج إلى معرفة ما حدث منذ عام 2013، وما الذي يحدث الآن، وإلى ‏أين يُرَاد به أن يمضي.‏

ح.عمارة:   من أجل النظر إلى الأفق بشكل أوضح، دعنا نرى كيف تسير الأمور مع جيراننا. لقد ذكرت ‏التناقض بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، دولتان احتضنت إحداها الشيوعية و الأخرى الرأسمالية. ‏أين هو التباين – أو التقارب – بين إقتصادات المغرب وتونس والجزائر؟ و بما أنك كثيرًا ما تصرّ على ‏أهمية العبقرية البشرية فيعملية التنمية، أليست العيوب التي تتحدث عنها فيما يتعلق بالجزائر موجودة ‏أيضًا لدى جيراننا؟

صورة: avil.cefan.ulaval.ca

ن. بوكروح: عندما نقيم الإمكانات الإجمالية للبلدان الثلاثة من حيث الثروة الطبيعية، تتفوق الجزائر. فلديها ‏ما يفوق ثروات البلدين مجتمعين. لكن هذه الميزة الواضحة تسلط المزيد من الضوء على حكمنا السياسي ‏والاقتصادي السيئ منذ الاستقلال، لأن تونس والمغرب سيتفوقان علينا إذا أزلنا مكون “المحروقات” من ‏ناتجنا المحلي الخام وعائداتنا الخارجية. إنهم متفوقون علينا في الزراعة والسياحة والمصارف والخدمات ‏المالية و الرقمنة ولديهم صورة أفضل من صورتنا على الصعيد الدولي.‏

لقد اضطرت هذه الدول الشقيقة إلى الاعتماد على مواردها الطبيعية فقط منذ استقلالها، ولا تعرف ما هو ‏الريع الوطني، والاقتصاد العام المدعم، والمنتجات الاستهلاكية شبه المجانية، والاتكال على إيرادات بالعملة ‏الصعبة يمكنها أن تتضاعف بمقدار 10 مرات، كما يمكنها أن تنهار أيضًا بشكل مذهل. هم يعرفون فقط ‏الدخل المنتظم من جهدهم، وعوائد الزراعة التي يسعون جاهدين لمضاعفتها، والدخل من السياحة الذي ‏يكدّون لتحسينه من عام إلى آخر. إنهم ليسوا فقراء ولا أغنياء، فهم مستقرون اقتصاديًا ونفسيًا. ليس لديهم ‏جنون العظمة ولا خبل”الوسوسة” مثلنا. هم في المستوى الوسطي العام، في حين أننا يمكن أن نمُرّ من ” ‏التفرعين” إلى ” الزلط” في أي وقت.‏

لم تَستعِد تونس بعد توازنها وأدائها كما كان قبل الثورة، ويُخشى أن النظام السياسي الذي تبنته سيعيقها في ‏المستقبل، عدم الاستقرار الذي يشلّها سيتحول إلى انعدام للحكم. أما المغرب، الذي أثبت أنه البلد الأكثر ‏استقرارًا في المنطقة، فعلى الرغم من مشكلة الصحراء الغربية، يمتلك بنية تحتية حضرية وشبكات نقل ‏وطرق ذات جودة أفضل من شبكتنا.‏

ح.عمارة:  تبِع عصر الإمبراطوريات والاستعمار حقبة الاتحادات الاقتصادية والسياسية الإقليمية: الاتحاد ‏الأوروبي لأوروبا ، ميركوسير(‏Mercosur‏) لغالبية دول أمريكا الجنوبية، الآسيان(‏ASEAN‏) لدول جنوب ‏شرق آسيا، دون أن ننسى الكومنولث و الذي تأسس منذ 71 عامًا. ما الذي يمنع البلدان المغاربية من ‏تشكيل كتلة إقليمية مماثلة؟ بالنهاية لا يوجد ما يمنعنا من السير في هذا الاتجاه تاريخيًا وجغرافيًا!‏

 ن. بوكروح: يمكنك أيضا أن تستشهد بتجمعات إقليمية أقرب إلينا، مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب ‏أفريقيا ‏‎(CDEAO)‎، التي تتكون من 15 دولة بإجمالي ناتج محلي خام يبلغ 600 مليار دولار ويبلغ عدد ‏سكانها 300 مليون مستهلك. أو منطقة التبادل الحر الذي سيمزج 3000 مليار دولار.المجموعة الاقتصادية ‏لدول غرب أفريقيا متواجدة منذ نصف قرن على حدودنا لأن مالي والنيجر ينتمون إليها.نحن نتحدث عن ‏إفريقيا منذ يوغرطة، لكننا لم نفعل أي شيء ملموس لنندمج مع نسيجها الاجتماعي والاقتصادي الذي كان ‏من الممكن أن يفتح آفاقا كبيرة للنمو و الإنفتاح على إخواننا في الجنوب.‏

نحن أكثر البلدان المغاربية انعزالا. نحن الأكثر تعرضاً للاضطرابات بعد ليبيا. ونحن أيضا أكثر البلدان ‏التي لديها أقل عدد من الأصدقاء الحقيقيين في العالم (رأينا ذلك جيدا في التسعينيات لمن لا يزال يتذكر).‏

تتشابه الجزائر وتونس والمغرب مع بعضها البعض اجتماعيا وثقافيا وذهنيا، وشعوبها مقتنعة بشكل طبيعي ‏بالفوائد التي ستجنيها من الاتحاد الاقتصادي والجمركي والدبلوماسي فيما بينها. لكن حكامها هم من يمنعون ‏ظهور سوق مشتركة من خلال الحفاظ على روح الحسد والصراع، وزراعة الوطنية المشكِّكَة، والسعي إلى ‏تحالفات عسكرية مع الغير لحماية نفسها من الجار. كل هذا للحفاظ على السلطة، كل في دواره. لم تدفعهم ‏الضرورة إلى الآن إلى أحضان بعضهم البعض، لكن ذلك سيحدث يومًا ما.‏

كان من الممكن أن تكون بلادنا قاطرة المغرب العربي، وستكون قادرة على التطلع إلى هذا الدور المحفز في ‏ضوء إمكاناتها عندما تحل معادلتها السياسية المحلية، التي أصبحت للأسف أكثر تعقيدا مع فيروس كورونا، ‏و “حراك” في حالة ترقب، ومحيط إقليمي ملتهب‎.‎

ح.عمارة:  لقد أثرتُ موضوع الاتحادات الجهوية لأنه في أيام التكتلات الاقتصادية والسياسية لم يكن من ‏المؤكد أن دولة واحدة يمكنها الفوز باللعبة. و لنأخذ هنا حالة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ‏والجزائر. ما الذي يمكن أن تكسبه الجزائر في هذه الحالة و اقتصادها في أفضل الأحوال غير منظم وفي ‏أسوءها “لا نملك اقتصادا أصلا”، على حد قولك؟

ن. بوكروح: بالضبط، نحن هنا إزاء أفضل مثال يوضح ما قلتُه. بداية، يجب أن نذكِّر أنه لم يجبر أحد ‏الجزائر على توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. كانت هي من توسلت إلى أوروبا للترحيب بها في ‏حظيرتها للحصول على أنواع مختلفة من المساعدات. بدأ التقارب في عام 2000، عندما كان النفط في ‏أدنى مستوياته، عندما كان الإرهاب لا يزال يعيث خرابا، وكانت بلادنا معزولة مثل بلد حل به وباء ‏الطاعون.تم إمضاء الإتفاق سنة 2002 في فالنسيا(اسبانيا) و كنت ممن حضروا المناسبة.‏

لا تحتوي هذه الاتفاقية على أي ترتيب محدد خاص بالجزائر. تتعلق جميع بنودها بالمعايير التي كانت ‏سارية منذ عقود على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أو تلك المرتبطة بها.‏

تحتوي الاتفاقية الدولية على فقرات تمنح الحق في المزايا وتفرض واجبات متبادلة. لم يهتم الرأي العام ‏الجزائري إلا بمسألة تخفيض الرسوم الجمركية، وعاد إلى مستوى المعدلات السارية داخل الاتحاد الأوروبي ‏ومنظمة التجارة العالمية، أي عمليًا ما هو معمول به في جميع أنحاء العالم.‏

إنه خطؤنا نحن أننا لم نستفد من انخفاض هذه الرسوم بقدر ما استفاد منه الشركاء الأوروبيون لأنهم ‏مصدرون ونحن مجرد مستوردين بسطاء، ليس لدينا ما نصدره إلى أوروبا سوى المحروقات و “الحراقة”، ‏ومن البديهي أن يعاني ميزاننا التجاري من عجز مزمن مع دول الاتحاد الأوروبي خارج إطار المحروقات ‏كما هو عليه مع بقية العالم الذي لا يربطنا به أي اتفاق.‏

إن التذمر من هذه الاتفاقية، يبرز كم تقمصنا دور اللاعب السيئ فهي لم تُصمَم على نحو يضرُّ بنا ويخدم أي ‏دولة في أوروبا. كان أشباه رجال الأعمال المزيفون لدينا مشغولين بسرقة أموال النفط بتواطؤ من الحكومة، ‏فهم لم ينتجوا شيئًا تقريبًا يمكن أن يثير اهتمام الأسواق الخارجية. الشيء نفسه ينطبق على منظمة التجارة ‏العالمية. ‏

يجب أن نعلم أيضًا أن كوننا لاعبين سيئين لا يعني أننا سنكون قادرين على الانسحاب من الاتفاقية “هكذا” ‏لمجرد نزوة. إنّها معاهدة دولية وضعت سبل التظلم والآليات في حالة الخلاف، ولكنها لا تمنح الحق في ‏فرض رغبة أي طرف على الآخر. لا أحد يستطيع أن يتذرع بعدم الكفاءة للانسحاب من الالتزام.‏

ليس لدينا اقتصاد بعد، يجب أن نخلقه على أسس جديدة، وقبل كل شيء على عودة السيادة للشعب. الإتجاه ‏الذي لا تحبذه السلطة التي يبدو أنها، وكعادتها، تراهن على القمع كي تواصل تسيير البلد كما كانت تفعل ‏دوما. هي لم تدرك أن هناك شيء قد تغير في نفسية الشعب، فلم يبق على حاله منذ فيفري 2019 وهو ‏يتحول شيئا فشيئا إلى هيئة مدنية واعية مصممة على ممارسة حقوقها الطبيعية.‏

ح.عمارة:  أنت تتحدث عن السيادة الشعبية، ولكن ما هو المكان الذي تتبوأه في سلم العولمة الاقتصادية ‏الواسع؟ دول أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال هي دول ديمقراطية في ‏الأساس، على الأقل في طريقة تنظيمها للانتخابات والإشراف عليها، ومع ذلك فإن شعوبها تعترض على ‏حكوماتها الوطنية التي يرون فيها أدوات في أيدي التمويل الدولي. و لنتذكر حركات الاحتجاج التي كانت ‏في فرنسا “السترات الصفراء”، و”اكيبي”‏« Occupy » ‏ في الولايات المتحدة أو الحركات التي تم تنظيمها ‏لاحقًا في شكل منظمات سياسية مثل “بوديموسن” ‏« Podémosen »في إسبانيا أو حركة “النجوم ‏الخمسة” في إيطاليا. يشترك الجميع في نقطة أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة اقتصاد اليوم، وهو ‏اقتصاد خارج الأرض مع شركات بدون مصانع وخوارزميات للغة الاتصال … في النهاية ، الأمر أكثر ‏تعقيدا من “اليد الخفية” لآدم سميث، أليس كذلك؟

 ن. بوكروح: الأمثلة التي تستشهد بها ليست نفيا للسيادة الشعبية، حتى في حالة العولمة بالمعنى المنحرف ‏للكلمة، بل على العكس هي تأكيد و توضيح لها. لا تُمارس السيادة الشعبية فقط من خلال التصويت ‏الصادق، والتصويت غير القابل للتزوير لتعيين القادة السياسيين، ولكن أيضًا من خلال تقييم، في أي وقت، ‏النتائج السيئة لسياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دولية مثل قضية الهجرة.‏

يمكن لشعوب المواطنين الذين يعيشون في الديمقراطيات معارضة العولمة المنحرفة، واستغلال الغاز أو ‏النفط الصخري، وفساد قادتهم أو تهاونهم تجاه الأنشطة المشبوهة لكبار رجال الأعمال. عندنا، حكم ‏اللصوص البلد في ازدراء تام للشعب لأن هذا الأخير كان حتى فيفري 2019 غائبا. لقد كان شعب موجّها، ‏لاعقلانيا و رهينة للشعوذة. الآن بعد أن أدرك حقوقه –والمعنى الذي أقصده هو”السياق الذهني”وسأحاول ‏شرحه في كتاباتي السياسية المستقبلية – يجب ألا يعود إلى حالته السابقة، ولكن عليه المضيّ قدمًا إلى انتزاع ‏حقوقه السيادية.‏

فكرتُ في “الحراك” قبل عام ونصف من انطلاقه، وعندما انطلق رافقته بكتاباتي ومنها ما كتبته في 10 ‏مارس 2019 بعنوان “أنجزنا ما “لا يُصدَق” بقي”ما يُصدَق”. كان بوتفليقة لا يزال في جنيف و قايد صالح ‏لم يتخلى عنه بعد. لقد قلت التالي: “الشعب الجزائري يحلّق حاليا في السحاب ويشعر أنّ السماء تعبده لأنه ‏تمكّن من إنجاز ما “لا يُصدق”. ويحق له ذلك في الواقع وقد استحقه بامتياز وباعتراف العالم أجمع، فما فعله ‏يُعدّ فعلا ضربا من الخيال لأنه لم يكن متوقعا، وجاء منافيا للطبيعة التي كان يُعرف بها عند الآخرين وحتى ‏لما كان يعتقد هو عن نفسه.

كما في الأفلام: استيقظ في اللحظة الأخيرة قبل سقوطٍ قاتلٍ في الهاوية التي ‏كانت ستمثلها العهدة الخامسة…. رغم ذلك يجب علينا الاستعداد للنزول من السماء ووضع الأقدام على ‏الأرض. فسنضطرّ إلى مواجهة الأمور العادية واليومية والمستعجلة، وسيتوجب علينا أن نبني بأيدينا ‏وأفكارنا ما “يُصدّق”.”ما يصدّق” هو المستقبل، الوحدة الوطنية، القاعدة الإيديولوجية التوافقية، المؤسسات ‏الديمقراطية، الاقتصاد المستقل عن المحروقات… يجب أن نستعد لمغادرة أجواء الاحتفال لنواجه بإيمان ‏وشجاعة فترة من الاضطرابات، ستدخُلُ البلاد في نهاية مطافها إلى عهد جديد: عهد جزائر جديدة، مجددة ‏ومتعددة، حرة وأخوية، ديمقراطية واجتماعية كما أراده لها بيان 1 نوفمبر 1954 ومؤتمر الصومام. دون ‏‏”العصبيات”، دون استغلال هذا أو ذاك للإسلام أو قيم نوفمبر أو الأمازيغية، أو قيم 22 فيفري 2019″‏‎.‎

ح.عمارة:  الزيادة السكانية العالمية و الرقمنة المتزايدة للاقتصاد تجعل حل مشكلة البطالة في العالم ‏مستحيلا. والعولمة التي وعدت بغد ساحر للبشرية أصبحت مخيبة للآمال بشكل متزايد، ومن الواضح أنه ‏لا يوجد بديل آخر، على الأقل في المرحلة  الحالية و منتهى ما وصلت إليه المعارف البشرية. هل تعتقد ‏أننا نعيش أفضل حقبة في تاريخ البشرية، أم أنه كما نسمع هنا و هناك “كان الوضع أفضل سابقا”؟

ن. بوكروح: ليس في العودة إلى الوراء تطلعا لأفق جديد و لا هو بالبديل. على المستوى الفلسفي أو ‏الشعري أو الديني، يمكن للمرء أن يحن إلى “السابق” أو يحلم “بالعصر الذهبي”، لكن في الواقع هذا ‏مستحيل. قبل ثلاثين عامًا، لم يكن هناك إنترنت ولا الهواتف الذكية. من يستطيع أن يتخيل الحياة اليوم ‏بدون هذه الأدوات التي كانت تُعتبر ميزة ربانية منذ زمن يسير؟ ستستمر البشرية في مسارها نحو الأمام ‏مهما حدث.‏

إن المتناقضات التي ذكرتها للتو موجودة، لكنها موجودة بالفعل منذ الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. ‏ظلت هذه المخاوف تتكرر في سياق التطورات العلمية والتقنية العظيمة، لكن في كل مرة يتم إنكارها. أدى ‏التقدم حتى وقت قريب إلى رفاهية الإنسان والعمالة الكاملة، بدلاً من اليأس والبطالة، إلى أن تفشى فيروس ‏كورونا. كل ما في الأمر أننا لا نعرف مهن ووظائف الغد التي ستنجم عن أنشطة ليس لدينا أدنى فكرة عنها ‏ولا نتحدث عليها. فقط أقلية قليلة من العلماء و مبدعي و صناع التكنولوجيات في مختلف المجالات يعرفون ‏بعض الشيء عنها عن طريق التصور والتخيل.‏

مصير الإنسان يخضع لآلية، حتمية تدفعه للمضي قُدمًا وليس للنظر إلى الخلف. ما عدا ربما البلدان العربية-‏الإسلامية حيث تحل المرابطية والأساطير وجنون العظمة محل الفكر والثقافة الاجتماعية.  في الجزائر فقط ‏تم توزيع نسخ من القرآن على عمال الصحة والمرضى، وكأنّهم لم يكن لديهم في منازلهم منذ قرون. ‏

هذا ما أمر معاوية بفعله خلال معركة صفين ضد الخليفة الشرعي علي. و بهذه الحيلة أدخل الحكم الملكي ‏الاستبدادي في التاريخ والروح العربية الإسلامية التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا.‏

تم إسقاط الإنسان، الإنسان الحقيقي، في الفضاء الكوني منذ ما يقرب من نصف قرن، وفي غضون بضعة ‏عقود سنشهد تداعيات غير عادية. لا داعي للقلق، لقد تغلب الإنسان على كل تحدٍ منذ ظهوره على الأرض ‏وسيذهب إلى أبعد مما يمكن أن نتخيله. إنّ ما فعله خلال خمسين سنة يتجاوز ما فعله خلال عشرة آلاف ‏سنة، وسيستمر في اندفاعه الغازِي. هذا هو سبب وجوده على الأرض، وقد عرف ذلك منذ أن حرر نفسه ‏مع ديكارت من الشعوذة. بهذه الطريقة فقط يمكن أن يُعتبر”خليفة الله في الأرض”، وريث الله أو وكيله على ‏الأرض وفي الكون وليس بطريقة أخرى.‏

خوار: حكيم عمارة

ترجمة عايـــدة  ساعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق