الجزائر-نور الدين بوكروح، مراقب متبصر للأحداث الجزائرية و المغاربية والعالمية ، ناشط سياسي ومفكر مجدد، يتفحص من خلال هذا الحوار وضع الجزائر والمغرب العربي والعالم. حلل الراهن، كشف عن التناقضات وقادنا إلى المستقبل. هو يؤمن إيمانا راسخا بقدرة الإنسان على مواصلة عمل البنائين السابقين، ولكن من أجل ذلك، لمواصلة رسالته التاريخية بدقة، يجب على الإنسان العودة إلى الأسس، أي التصور الدقيق للواقع وروح عمل لا تنهزم.
ح.عمارة: فلنبدأ حوارنا سيد بوكروح، بحديث الساعة، الوباء الذي عرف بكوفيد -19 وركود النشاط الاقتصادي في البلاد. فقد أدى الافتقار إلى آليات دعم التشغيل، مثل البطالة الجزئية، إلى إغراق الغالبية العظمى من الجزائريين في وضع غير مستقر، ولا سيما عمال المكسب اليومي وأولئك الذين “يعملون” في النشاطات الإقتصادية الموازية. كما أثر هذا التذبذب المفاجئ والعنيف أيضًا على العاملين في القطاع الخاص حيث، كما يعلم الجميع، العقود بلا ضمانات والشركات لا تصرح بعمالها. أقصد هنا بشكل خاص الشركات التجارية الصغيرة جدًا أو المقاولين الفرعيين. كل هذا يضعف في نهاية المطاف قوى الشغل الوطنية ويعرض عائلات بأكملها لإنهيار اجتماعي. كيف تحلل هذا الوضع؟ ولماذا نواجه نفس العواقب في كل أزمة؟
ن. بوكروح: إذا كنت لا تمانع سأبدأ من حيث انتهيتَ. بشكل عام، لطالما فاجأت الأزمات بلدنا وشعبنا وقادتنا، لأن أساس رؤيتنا للعالم، للإله، للعلاقة بين البشر والله، للدين، لسبب وجود الإنسان على الأرض، للمجتمع، للدولة، للاقتصاد وللسياسة الخارجية خاطئة في كل من هذه النقاط.
نحن لا ندرك حتى المسلمة الأولى بأن تاريخنا منذ الاستقلال ليس تاريخ إنجازاتنا وسياساتنا وعبقريتنا، بل تاريخ محروقاتنا في الأسواق الدولية، والتي بدونها كنا سنكون اليوم أفقر دولة على هذا الكوكب، وعلى أية حال، كل المؤشرات تدل على أننا سنكون كذلك وعلى المدى الطويل.
بناءا على ما سبق، يجب أن نشكر الله على أنه أُعلِن عن فيروس كورونا كوباء عالميّ وليس وباءا وطنيا. لو كنا وحدنا في هذه المحنة، وكان علينا الاعتماد فقط لمواجهتها على “فهامتنا”، على عبقرية شعب ” المسلمين مكتفين” و” شعب المعجزات” الذي يؤمن بالخوارق، لكانت أضرار وعواقب الفيروس التاجي أكثر خطورة بكثير.
لكن لا داعي للحديث عن ذلك، الحمد لله فالأزمة عالمية، ويكفي فقط التقليد بنسخ ولصق، بسلوك المسارات التي عثرت عليها الدول الحقيقية: إجراءات العزل، الحجز الصحي، ارتداء الكمامة، الفحوصات المخبرية، الكلوروكين، في انتظار العلاج الجذري. لكن هذه الإجراءات كان لها تكاليفها وانعكاساتها التي أدت إلى ركود عالمي في النشاط الاقتصادي والاجتماعي ونمو سلبي بعدة نقاط في الناتج المحلي الخام وزيادة كبيرة في المديونية العمومية.
لقد سألتني عن التفاصيل، وأجبتك عن الأساسيات، في الأصل لم يكن لدينا اقتصاد. فكيف نأسف لنقص شيء لم يكن موجودا منذ البداية؟ لو كانت سياساتنا الاقتصادية تفتقر فقط إلى نظام دعم للبطالة الجزئية كنتيجة للحجر، وإذا تمت محاربة الإقتصاد الموازي منذ بوادر ظهوره، ما كانت هذه الأسئلة لتطرح اليوم.
لطالما كان اقتصادنا العام، الذي يعاني من عجز مزمن، مجرد وسيلة لإعادة توزيع جزء من ريع النفط على الشعب، في حين أن اقتصادنا الخاص، لم يكن سوى مدرسة تدريب لتقنيات الفساد، غسيل الأموال، الاستيلاء على النفقات العمومية وتهريب العملة الصعبة من طرف السلطة وعملاءها. كانت الدولة عبارة عن مغارة علي بابا، ومؤسساتها أماكن وأدوات للفساد والثراء غير المشروع في أيدي عصابات لا ذمة لها ولا قانون يردعها.
أُنظر حول العالم، ابحث في الأخبار الحالية أو التاريخ القديم لدول العالم: هل تجد في أيّ منها حجم فساد كالذي لدينا في أعلى هرم السلطة؟ هل كان هناك هذا العدد الكبير من الجنرالات بين مسجون أو هارب في الخارج؟ إن المشهد الذي قدمته بلادنا فريد من نوعه في العالم، وغير مسبوق في تاريخ البشرية، هذا ونحن بعيدين عن معرفة كل شيء دار في الكواليس ودهاليز عهد إمبراطورية الفساد للقيصر بوتفليقة و “النظام” منذ الاستقلال. نحن نعرف فقط ما سربه صراع الأجنحة من أجل إبرام عقد جديد للحكم.
ح.عمارة: لقد سُلمت البلاد منذ عهد صندوق النقد الدولي في التسعينيات إلى رأسمالية عدوانية خنقت كل القضايا الاجتماعية، الحديث عن هذه الأخيرة اختفى على مرّ السنين حتى من الأحزاب السياسية. فبمجرد أن يتعلق الموضوع بالمسألة الاجتماعية، تظل الأطراف بعيدة عن الأضواء ولهذا السبب رأينا ظهور نقابات مستقلة جديدة أو تمردات نقابية عرضية. هذا رغم أن قادة الثورة الجزائرية خططوا أساسًا لبناء دولة اجتماعية مند الاستقلال، بمعنى دولة تسترجع السيطرة على زمام الروافع الاقتصادية من أيدي المعمرين من ناحية، ومن ناحية أخرى تطور سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية القادرة على السماح للجزائريين باستعادة كرامتهم والوصول إلى الرفاهية. ماذا تبقى من هذا المشروع اليوم؟ ألا يوجد بالنهاية بديل لهذه الرأسمالية العدوانية؟
ن.بوكرح:إن ما تسميه “الرأسمالية العدوانية” هي مجرد خدعة كبيرة تقوم بها الحكومة ورجال أعمال مزيفون لتقاسم أموال النفط. يجب علينا أيضا أن ننصف صندوق النقد الدولي، الذي لم يلحق ضررا بالجزائر، على عكس قادتها ورجال أعمالها. هذه المؤسسة هي بنك يقدم قروضا على المدى القصير تابع للأمم المتحدة استجاب لنداءات الاستغاثة التي أطلقناها بين عامي 1990 و1994 لإنقاذنا بشكل عاجل وإعادة جدولة ديوننا الخارجية. و هو يتدخل بناءً على طلب أي دولة عضو في الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي في حالة إفلاس وإعسار للخروج من أزمة وفقًا لتصور معروف وجدّ عقلاني للمساعدة المالية.
قادة الثورة التحريرية الذين صاغوا بيان أوّل نوفمبر 1954 وحددوا أهداف الثورة بما في ذلك بناء “دولة ديمقراطية واجتماعية”، لم يذكروا كيف نصل إلى ذلك. فضلا عن أن الصيغة في حد ذاتها كانت نقلا حرفيا عن مادة من الدستور الفرنسي لعام 1946.
حاول “برنامج طرابلس” قبيل الاستقلال تحديد طريقة ووسيلة لتحقيق هذا الهدف المثالي باتباع النهج المتبع آنذاك: إقامة دولة قومية يقودها حزب واحد واقتصاد اشتراكي. هدف مثالي يمكن أن يكون توافقيًا كغاية، لكنه مثارة للانقسام حول الطريقة التي يجب إتباعها لتحقيقه. كل “تواريخ” الثورة كانت متفقة حول الاشتراكية والحزب الواحد، لكنها عارضت بعضها البعض حتى الموت حول موضوع السلطة.
في نهاية مسارها، لا الاشتراكية ولا الليبرالية طورت الجزائر، التي اكتشفت هذه السنة (2020)، أنه تم تسليمها مكبلة الأيدي والأقدام إلى قادة ورجال أعمال فاسدين، سوّوها بالأرض.
لا يوجد في العالم مثال معروف لاقتصاد اشتراكي ناجح. يمكن فقط مقارنة مصير كوريا الشمالية بمصير كوريا الجنوبية. كما أن الصين كانت تتضوّر جوعًا في ظل الاشتراكية وأصبحت تقريبًا أكبر اقتصاد في العالم مع الرأسمالية. في روسيا، مصر والجزائر، لم يؤدي التسيير الإداري للإقتصاد إلى نظام رأسمالي، بل إلى ظهور “طبقة سياسية ذات امتيازات خاصة “نومنكلاتورا” وأقلية اقتصادية مسيطرة “أوليغارشيا” جشعة.
لم يعد الاختيار يفرض بين التسيير الإداري والرأسمالية. فقد وصلت هذه الأخيرة أيضا إلى حدها الأقصى مع تمويل الاقتصادات ونقلات أخضعت الاقتصاد الحقيقي للمراهنين والبورصات، بالمضاربة وبحفنة من الأشخاص والشركات متعددة الجنسيات.
كشف وباء فيروس كورونا عن الكثير من الأشياء التي تجبرنا على إعادة التفكير في النظم الاقتصادية ليس من خلال مراجعة النظريات، ولكن من خلال اعتماد نماذج على أساس كل حالة على حدى وفقًا لخصوصيات كل دولة واحتياجات المبادلات الدولية. ستكون هناك تصحيحات عميقة في الرؤية ومراجعة قواعد التداول. هدا الأمر حاصل لا محالة، ويجب أن تبدأ بلادنا بالعمل على النموذج الذي يناسب إمكاناتها من حيث الموارد الاقتصادية والبشرية وبيئتها الطبيعية واحتياجاتها الخارجية.
ح.عمارة: لقد ذكرت سابقاً امتلاك الرافعات الاقتصادية كشرط لأي سياسة تنموية، لكن دعنا نرى ما هو في الواقع. لا يزال اقتصادنا يعتمد في معظمه على عائداته من النفط والغاز، وقريباً – حسب الحكومة – المعادن النفيسة، ناهيك عن الحل الخطير لاستغلال الغاز الصخري. باختصار، نتحدث مرارًا وتكرارًا عن باطن الأرض. ألا يمكننا أن نفعل شيئًا بالأرض نفسها، مع الزمن والإنسان، لو وظفنا مبدأ مالك بن نبي، لإطلاق ديناميكية الحضارة؟ إلى ما يعود هذا النقص في الطموح والروح الريعيّة في علاقتنا بالاقتصاد والمجتمع؟
ن.بوكروح: هذا يعيدنا إلى ما قلته لك في بداية هذا الحوار حول رؤيتنا للعالم، رؤية فقيرة في الحقائق وغنية بالأخطاء. أطلق بن نبي على هذه العوامل الثلاثة (الإنسان والتراب والزمن) “الثروات الدائمة” لأمة أو حضارة أو أي مجموعة بشرية مهما كانت. هذه الثروات لا تنفد مثل المعادن أو الوقود الحفري، فهي رأس مال دائم تحفزه فكرة، ورؤية للعالم، وهدف مثالي كذلك الذي ورد في بيان الفاتح من نوفمبر 1954،على السياسي أن يجمع هذه العوامل الأساسية في رؤية إبداعية ومحفزة تأخذ شكل برنامج محرِّك، مشروع مجتمع توافقي ونموذج تنمية عملي براغماتي.
نمتلك منذ ثلاثة آلاف سنة تربة غنية بأبعاد قارة، و ديموغرافية نشطة، ووقت ضائع غير مستغل، ولكن ما لم يكن لدينا أبدًا هو رؤية وطنية، مشروع مجتمع يتكيف مع واقعنا وإمكانياتنا، وقبل كل ذلك لم يكن لدينا أبدا قادة مستنيرون مؤهلون ومخلصون.
ولا يزال بلدنا التعيس ينتظر هذه الرؤية وهذه النوعية من الرجال.ما إقتُرِح عليه منذ الاستقلال هو الاشتراكية الزائفة التي ولّدت دينًا خارجيًا قدره 24 مليار دولار (1989)، وليبرالية كاذبة رفعت الدين إلى 36 مليار (1999) و إسلاموية أسفرت عن مقتل 250 ألف شخص. اليوم، أعتقد أننا نريد العودة به إلى المرابطية التي كانت منتشرة في دواويرنا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
ح.عمارة: نعم، اعتقدنا أنّ الجزائري سيخرج من بؤسه و من قمع الإستعمار له… إلى اليوم، يكفي الذهاب في يوم من أيام السوق إلى أيّ مدينة جزائرية لنرى كيف يتجمع الناس حول المخادعين والدجالين الذين يقدمون حلولاً معجزة لكل العلل وغيرها من “بابا سالم”. يتولد لدينا انطباع بأننا نعيش حقًا ديكور فيلم”كرنفال في دشرة”، الفيلم اللاذع لمحمد اوقاسي (1994)، حيث جسد الحاج إبراهيم أو سي مخلوف البومباردي أو العلوش واقعنا بكل شفافية. من أين تأتي هذه الحتمية وهذا الانجذاب إلى الشعوذة؟
ن. بوكروح: من جهتي، لم أعتبر هذا الفيلم قط خيالا سينمائيا أو كوميديا أو محاكاة ساخرة، بل تقريرا حيّا و بثّا مباشرا لمشاهد من حياتنا الوطنية في واقعها، “أصالتها” وشفافيتها كما ذكرت.
هذه “القدرية” المحيطة، هذا الانجذاب إلى الشعوذة، يأتي من ماضينا القريب من الدوار، عبادة المرابطين، الطب الديني، بركة رجال الدين، “البخور” و “الجاوي” الذي عاود الظهور في أوج قوته تحت حكم آل بوتفليقة ورجالهم المزيفين. قام الاستعمار بحماية هذه الممارسات وشجع على انتشار “الزوايا”. وقد عادوا بقوة في أعقاب الإسلاموية المنحطة التي استحوذت على عقولنا والثقافة المرابطية التي تهدف إلى إغواء الجماهير من أجل كسب انقيادها وقتل روح الاحتجاج داخلها.
هذه الأيديولوجية لها نظام دفاعي من نوع “باتريوت” مع صواريخ تهاجمك وتتهمك عبر وسائل الإعلام المأجورة و “الذباب الإلكتروني” المسيّر عن بعد بأنك ضد “إسلام أسلافنا” و “الثوابت الوطنية”، إذا أنت نددت.
لسنا بحاجة إلى أتباع زائفين، “شوافين”، “ديوان صالحين”، موزعي نسخ القرآن، معزين بكّائين وعرافين. نحتاج تقارير عن الوضع في البلاد، لمعرفة حقيقة تسييرها، لمعرفة ما يحدث في تأطير جيشنا، لمعرفة المخاطر والتهديدات التي تتربص بحدودنا وأرضنا.
للشعب الحق في المطالبة بالاطلاع على الحقائق، وليس الخطب المطمئنة زورًا، والتبجج الأحمق و لغة الخشب التي تهدف إلى إبعاده جانبا مثل قطيع من الأغنام غير المعنيين. فحياته، مستقبله، بلده، مؤسساته، جيشه وأمواله هي موضع الجدل. يحتاج إلى معرفة ما حدث منذ عام 2013، وما الذي يحدث الآن، وإلى أين يُرَاد به أن يمضي.
ح.عمارة: من أجل النظر إلى الأفق بشكل أوضح، دعنا نرى كيف تسير الأمور مع جيراننا. لقد ذكرت التناقض بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، دولتان احتضنت إحداها الشيوعية و الأخرى الرأسمالية. أين هو التباين – أو التقارب – بين إقتصادات المغرب وتونس والجزائر؟ و بما أنك كثيرًا ما تصرّ على أهمية العبقرية البشرية فيعملية التنمية، أليست العيوب التي تتحدث عنها فيما يتعلق بالجزائر موجودة أيضًا لدى جيراننا؟

ن. بوكروح: عندما نقيم الإمكانات الإجمالية للبلدان الثلاثة من حيث الثروة الطبيعية، تتفوق الجزائر. فلديها ما يفوق ثروات البلدين مجتمعين. لكن هذه الميزة الواضحة تسلط المزيد من الضوء على حكمنا السياسي والاقتصادي السيئ منذ الاستقلال، لأن تونس والمغرب سيتفوقان علينا إذا أزلنا مكون “المحروقات” من ناتجنا المحلي الخام وعائداتنا الخارجية. إنهم متفوقون علينا في الزراعة والسياحة والمصارف والخدمات المالية و الرقمنة ولديهم صورة أفضل من صورتنا على الصعيد الدولي.
لقد اضطرت هذه الدول الشقيقة إلى الاعتماد على مواردها الطبيعية فقط منذ استقلالها، ولا تعرف ما هو الريع الوطني، والاقتصاد العام المدعم، والمنتجات الاستهلاكية شبه المجانية، والاتكال على إيرادات بالعملة الصعبة يمكنها أن تتضاعف بمقدار 10 مرات، كما يمكنها أن تنهار أيضًا بشكل مذهل. هم يعرفون فقط الدخل المنتظم من جهدهم، وعوائد الزراعة التي يسعون جاهدين لمضاعفتها، والدخل من السياحة الذي يكدّون لتحسينه من عام إلى آخر. إنهم ليسوا فقراء ولا أغنياء، فهم مستقرون اقتصاديًا ونفسيًا. ليس لديهم جنون العظمة ولا خبل”الوسوسة” مثلنا. هم في المستوى الوسطي العام، في حين أننا يمكن أن نمُرّ من ” التفرعين” إلى ” الزلط” في أي وقت.
لم تَستعِد تونس بعد توازنها وأدائها كما كان قبل الثورة، ويُخشى أن النظام السياسي الذي تبنته سيعيقها في المستقبل، عدم الاستقرار الذي يشلّها سيتحول إلى انعدام للحكم. أما المغرب، الذي أثبت أنه البلد الأكثر استقرارًا في المنطقة، فعلى الرغم من مشكلة الصحراء الغربية، يمتلك بنية تحتية حضرية وشبكات نقل وطرق ذات جودة أفضل من شبكتنا.
ح.عمارة: تبِع عصر الإمبراطوريات والاستعمار حقبة الاتحادات الاقتصادية والسياسية الإقليمية: الاتحاد الأوروبي لأوروبا ، ميركوسير(Mercosur) لغالبية دول أمريكا الجنوبية، الآسيان(ASEAN) لدول جنوب شرق آسيا، دون أن ننسى الكومنولث و الذي تأسس منذ 71 عامًا. ما الذي يمنع البلدان المغاربية من تشكيل كتلة إقليمية مماثلة؟ بالنهاية لا يوجد ما يمنعنا من السير في هذا الاتجاه تاريخيًا وجغرافيًا!
ن. بوكروح: يمكنك أيضا أن تستشهد بتجمعات إقليمية أقرب إلينا، مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (CDEAO)، التي تتكون من 15 دولة بإجمالي ناتج محلي خام يبلغ 600 مليار دولار ويبلغ عدد سكانها 300 مليون مستهلك. أو منطقة التبادل الحر الذي سيمزج 3000 مليار دولار.المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا متواجدة منذ نصف قرن على حدودنا لأن مالي والنيجر ينتمون إليها.نحن نتحدث عن إفريقيا منذ يوغرطة، لكننا لم نفعل أي شيء ملموس لنندمج مع نسيجها الاجتماعي والاقتصادي الذي كان من الممكن أن يفتح آفاقا كبيرة للنمو و الإنفتاح على إخواننا في الجنوب.
نحن أكثر البلدان المغاربية انعزالا. نحن الأكثر تعرضاً للاضطرابات بعد ليبيا. ونحن أيضا أكثر البلدان التي لديها أقل عدد من الأصدقاء الحقيقيين في العالم (رأينا ذلك جيدا في التسعينيات لمن لا يزال يتذكر).
تتشابه الجزائر وتونس والمغرب مع بعضها البعض اجتماعيا وثقافيا وذهنيا، وشعوبها مقتنعة بشكل طبيعي بالفوائد التي ستجنيها من الاتحاد الاقتصادي والجمركي والدبلوماسي فيما بينها. لكن حكامها هم من يمنعون ظهور سوق مشتركة من خلال الحفاظ على روح الحسد والصراع، وزراعة الوطنية المشكِّكَة، والسعي إلى تحالفات عسكرية مع الغير لحماية نفسها من الجار. كل هذا للحفاظ على السلطة، كل في دواره. لم تدفعهم الضرورة إلى الآن إلى أحضان بعضهم البعض، لكن ذلك سيحدث يومًا ما.
كان من الممكن أن تكون بلادنا قاطرة المغرب العربي، وستكون قادرة على التطلع إلى هذا الدور المحفز في ضوء إمكاناتها عندما تحل معادلتها السياسية المحلية، التي أصبحت للأسف أكثر تعقيدا مع فيروس كورونا، و “حراك” في حالة ترقب، ومحيط إقليمي ملتهب.
ح.عمارة: لقد أثرتُ موضوع الاتحادات الجهوية لأنه في أيام التكتلات الاقتصادية والسياسية لم يكن من المؤكد أن دولة واحدة يمكنها الفوز باللعبة. و لنأخذ هنا حالة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر. ما الذي يمكن أن تكسبه الجزائر في هذه الحالة و اقتصادها في أفضل الأحوال غير منظم وفي أسوءها “لا نملك اقتصادا أصلا”، على حد قولك؟
ن. بوكروح: بالضبط، نحن هنا إزاء أفضل مثال يوضح ما قلتُه. بداية، يجب أن نذكِّر أنه لم يجبر أحد الجزائر على توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. كانت هي من توسلت إلى أوروبا للترحيب بها في حظيرتها للحصول على أنواع مختلفة من المساعدات. بدأ التقارب في عام 2000، عندما كان النفط في أدنى مستوياته، عندما كان الإرهاب لا يزال يعيث خرابا، وكانت بلادنا معزولة مثل بلد حل به وباء الطاعون.تم إمضاء الإتفاق سنة 2002 في فالنسيا(اسبانيا) و كنت ممن حضروا المناسبة.
لا تحتوي هذه الاتفاقية على أي ترتيب محدد خاص بالجزائر. تتعلق جميع بنودها بالمعايير التي كانت سارية منذ عقود على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أو تلك المرتبطة بها.
تحتوي الاتفاقية الدولية على فقرات تمنح الحق في المزايا وتفرض واجبات متبادلة. لم يهتم الرأي العام الجزائري إلا بمسألة تخفيض الرسوم الجمركية، وعاد إلى مستوى المعدلات السارية داخل الاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية، أي عمليًا ما هو معمول به في جميع أنحاء العالم.
إنه خطؤنا نحن أننا لم نستفد من انخفاض هذه الرسوم بقدر ما استفاد منه الشركاء الأوروبيون لأنهم مصدرون ونحن مجرد مستوردين بسطاء، ليس لدينا ما نصدره إلى أوروبا سوى المحروقات و “الحراقة”، ومن البديهي أن يعاني ميزاننا التجاري من عجز مزمن مع دول الاتحاد الأوروبي خارج إطار المحروقات كما هو عليه مع بقية العالم الذي لا يربطنا به أي اتفاق.
إن التذمر من هذه الاتفاقية، يبرز كم تقمصنا دور اللاعب السيئ فهي لم تُصمَم على نحو يضرُّ بنا ويخدم أي دولة في أوروبا. كان أشباه رجال الأعمال المزيفون لدينا مشغولين بسرقة أموال النفط بتواطؤ من الحكومة، فهم لم ينتجوا شيئًا تقريبًا يمكن أن يثير اهتمام الأسواق الخارجية. الشيء نفسه ينطبق على منظمة التجارة العالمية.
يجب أن نعلم أيضًا أن كوننا لاعبين سيئين لا يعني أننا سنكون قادرين على الانسحاب من الاتفاقية “هكذا” لمجرد نزوة. إنّها معاهدة دولية وضعت سبل التظلم والآليات في حالة الخلاف، ولكنها لا تمنح الحق في فرض رغبة أي طرف على الآخر. لا أحد يستطيع أن يتذرع بعدم الكفاءة للانسحاب من الالتزام.
ليس لدينا اقتصاد بعد، يجب أن نخلقه على أسس جديدة، وقبل كل شيء على عودة السيادة للشعب. الإتجاه الذي لا تحبذه السلطة التي يبدو أنها، وكعادتها، تراهن على القمع كي تواصل تسيير البلد كما كانت تفعل دوما. هي لم تدرك أن هناك شيء قد تغير في نفسية الشعب، فلم يبق على حاله منذ فيفري 2019 وهو يتحول شيئا فشيئا إلى هيئة مدنية واعية مصممة على ممارسة حقوقها الطبيعية.

ح.عمارة: أنت تتحدث عن السيادة الشعبية، ولكن ما هو المكان الذي تتبوأه في سلم العولمة الاقتصادية الواسع؟ دول أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال هي دول ديمقراطية في الأساس، على الأقل في طريقة تنظيمها للانتخابات والإشراف عليها، ومع ذلك فإن شعوبها تعترض على حكوماتها الوطنية التي يرون فيها أدوات في أيدي التمويل الدولي. و لنتذكر حركات الاحتجاج التي كانت في فرنسا “السترات الصفراء”، و”اكيبي”« Occupy » في الولايات المتحدة أو الحركات التي تم تنظيمها لاحقًا في شكل منظمات سياسية مثل “بوديموسن” « Podémosen »في إسبانيا أو حركة “النجوم الخمسة” في إيطاليا. يشترك الجميع في نقطة أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة اقتصاد اليوم، وهو اقتصاد خارج الأرض مع شركات بدون مصانع وخوارزميات للغة الاتصال … في النهاية ، الأمر أكثر تعقيدا من “اليد الخفية” لآدم سميث، أليس كذلك؟
ن. بوكروح: الأمثلة التي تستشهد بها ليست نفيا للسيادة الشعبية، حتى في حالة العولمة بالمعنى المنحرف للكلمة، بل على العكس هي تأكيد و توضيح لها. لا تُمارس السيادة الشعبية فقط من خلال التصويت الصادق، والتصويت غير القابل للتزوير لتعيين القادة السياسيين، ولكن أيضًا من خلال تقييم، في أي وقت، النتائج السيئة لسياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دولية مثل قضية الهجرة.
يمكن لشعوب المواطنين الذين يعيشون في الديمقراطيات معارضة العولمة المنحرفة، واستغلال الغاز أو النفط الصخري، وفساد قادتهم أو تهاونهم تجاه الأنشطة المشبوهة لكبار رجال الأعمال. عندنا، حكم اللصوص البلد في ازدراء تام للشعب لأن هذا الأخير كان حتى فيفري 2019 غائبا. لقد كان شعب موجّها، لاعقلانيا و رهينة للشعوذة. الآن بعد أن أدرك حقوقه –والمعنى الذي أقصده هو”السياق الذهني”وسأحاول شرحه في كتاباتي السياسية المستقبلية – يجب ألا يعود إلى حالته السابقة، ولكن عليه المضيّ قدمًا إلى انتزاع حقوقه السيادية.
فكرتُ في “الحراك” قبل عام ونصف من انطلاقه، وعندما انطلق رافقته بكتاباتي ومنها ما كتبته في 10 مارس 2019 بعنوان “أنجزنا ما “لا يُصدَق” بقي”ما يُصدَق”. كان بوتفليقة لا يزال في جنيف و قايد صالح لم يتخلى عنه بعد. لقد قلت التالي: “الشعب الجزائري يحلّق حاليا في السحاب ويشعر أنّ السماء تعبده لأنه تمكّن من إنجاز ما “لا يُصدق”. ويحق له ذلك في الواقع وقد استحقه بامتياز وباعتراف العالم أجمع، فما فعله يُعدّ فعلا ضربا من الخيال لأنه لم يكن متوقعا، وجاء منافيا للطبيعة التي كان يُعرف بها عند الآخرين وحتى لما كان يعتقد هو عن نفسه.
كما في الأفلام: استيقظ في اللحظة الأخيرة قبل سقوطٍ قاتلٍ في الهاوية التي كانت ستمثلها العهدة الخامسة…. رغم ذلك يجب علينا الاستعداد للنزول من السماء ووضع الأقدام على الأرض. فسنضطرّ إلى مواجهة الأمور العادية واليومية والمستعجلة، وسيتوجب علينا أن نبني بأيدينا وأفكارنا ما “يُصدّق”.”ما يصدّق” هو المستقبل، الوحدة الوطنية، القاعدة الإيديولوجية التوافقية، المؤسسات الديمقراطية، الاقتصاد المستقل عن المحروقات… يجب أن نستعد لمغادرة أجواء الاحتفال لنواجه بإيمان وشجاعة فترة من الاضطرابات، ستدخُلُ البلاد في نهاية مطافها إلى عهد جديد: عهد جزائر جديدة، مجددة ومتعددة، حرة وأخوية، ديمقراطية واجتماعية كما أراده لها بيان 1 نوفمبر 1954 ومؤتمر الصومام. دون ”العصبيات”، دون استغلال هذا أو ذاك للإسلام أو قيم نوفمبر أو الأمازيغية، أو قيم 22 فيفري 2019″.
ح.عمارة: الزيادة السكانية العالمية و الرقمنة المتزايدة للاقتصاد تجعل حل مشكلة البطالة في العالم مستحيلا. والعولمة التي وعدت بغد ساحر للبشرية أصبحت مخيبة للآمال بشكل متزايد، ومن الواضح أنه لا يوجد بديل آخر، على الأقل في المرحلة الحالية و منتهى ما وصلت إليه المعارف البشرية. هل تعتقد أننا نعيش أفضل حقبة في تاريخ البشرية، أم أنه كما نسمع هنا و هناك “كان الوضع أفضل سابقا”؟

ن. بوكروح: ليس في العودة إلى الوراء تطلعا لأفق جديد و لا هو بالبديل. على المستوى الفلسفي أو الشعري أو الديني، يمكن للمرء أن يحن إلى “السابق” أو يحلم “بالعصر الذهبي”، لكن في الواقع هذا مستحيل. قبل ثلاثين عامًا، لم يكن هناك إنترنت ولا الهواتف الذكية. من يستطيع أن يتخيل الحياة اليوم بدون هذه الأدوات التي كانت تُعتبر ميزة ربانية منذ زمن يسير؟ ستستمر البشرية في مسارها نحو الأمام مهما حدث.
إن المتناقضات التي ذكرتها للتو موجودة، لكنها موجودة بالفعل منذ الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. ظلت هذه المخاوف تتكرر في سياق التطورات العلمية والتقنية العظيمة، لكن في كل مرة يتم إنكارها. أدى التقدم حتى وقت قريب إلى رفاهية الإنسان والعمالة الكاملة، بدلاً من اليأس والبطالة، إلى أن تفشى فيروس كورونا. كل ما في الأمر أننا لا نعرف مهن ووظائف الغد التي ستنجم عن أنشطة ليس لدينا أدنى فكرة عنها ولا نتحدث عليها. فقط أقلية قليلة من العلماء و مبدعي و صناع التكنولوجيات في مختلف المجالات يعرفون بعض الشيء عنها عن طريق التصور والتخيل.
مصير الإنسان يخضع لآلية، حتمية تدفعه للمضي قُدمًا وليس للنظر إلى الخلف. ما عدا ربما البلدان العربية-الإسلامية حيث تحل المرابطية والأساطير وجنون العظمة محل الفكر والثقافة الاجتماعية. في الجزائر فقط تم توزيع نسخ من القرآن على عمال الصحة والمرضى، وكأنّهم لم يكن لديهم في منازلهم منذ قرون.
هذا ما أمر معاوية بفعله خلال معركة صفين ضد الخليفة الشرعي علي. و بهذه الحيلة أدخل الحكم الملكي الاستبدادي في التاريخ والروح العربية الإسلامية التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا.
تم إسقاط الإنسان، الإنسان الحقيقي، في الفضاء الكوني منذ ما يقرب من نصف قرن، وفي غضون بضعة عقود سنشهد تداعيات غير عادية. لا داعي للقلق، لقد تغلب الإنسان على كل تحدٍ منذ ظهوره على الأرض وسيذهب إلى أبعد مما يمكن أن نتخيله. إنّ ما فعله خلال خمسين سنة يتجاوز ما فعله خلال عشرة آلاف سنة، وسيستمر في اندفاعه الغازِي. هذا هو سبب وجوده على الأرض، وقد عرف ذلك منذ أن حرر نفسه مع ديكارت من الشعوذة. بهذه الطريقة فقط يمكن أن يُعتبر”خليفة الله في الأرض”، وريث الله أو وكيله على الأرض وفي الكون وليس بطريقة أخرى.
خوار: حكيم عمارة
ترجمة عايـــدة ساعي




