يُشَرِّفُني في البداية، أَن أُرحِب بِكُم جميعا في الجزائر، التي تَحتَضِنُ اليوم مُؤتمرا للمُنَظمةِ الاِفريقيةِ للتأمينات سيتناول معالجة موضوع بالغ الأهمية تحت عنوان “مُساهمة صِناعةِ التَّأمينات في الأمن الغذائي في إفريقيا”؛ ويعقد بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة التاسعة والأربعون (49) للمُنظمة، التي تُعتَبُر تَقليدا دَأَبَت عَليْه المنظمة ِلِدراسة مُختَلف الإشْكالياتِ التي َتتَفاعل معها مُؤسَسَاتُ وشَرِكاتُ قطاع التأمينات، ِباعْتِبارِه قِطَاعا حَيويا يَتأثرُ بمختلف المتغيرات، على جَميع المُستويات وطنياً، وإقليمياً ودولياً.
أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل،
أود أن أغتنم هذه الفرصة، لأنوه بالأهمية البالغة التي يكتسيها هذا المؤتمر، كأحد أهم وأكبر الفعاليات التأمينية على المستوى القاري الذي يشهد حضورا مكثفا للفاعلين في قطاع التأمين الإفريقي والدولي من مهنيين في قطاع التأمين وإعادة التأمين، ومراكز البحث وكذا ممثلين عن هيئات الرقابة.
كما أود أن أشكر بالمناسبة المنظمةَ الإفريقية للتأمين على اختيارها للجزائر لاحتضان هذا الحدث، قصد ِدراسَةِ إشكاليّاتٍ عَديدةٍ وإثراء منظومة التأمينات من حيث كونها إحدى أدوات تعزيز الأَمنِ الغِذائِّي في إفريقيا، وذلك بما يتجاوب والمخاطرِ والتَّهديدات الُمناخيَّة وانعكاساتها على التنمية في المَنطِقةُ الإفريقيَةُ.
وعليه، فإن الجزائر وككل مرة، لم تدخر أي جهد لبعث المبادرات الإفريقية الكفيلة بالمساهمة في توطيد أواصر الفضاء الإفريقي وتعزيز المبادلات لاسيما الاقتصادية منها والاجتماعية.
أيتها السيدات الفضليات أيها السادة الأفاضل،
إننا نطمح، مِن خِلال أَشغالِ هذا المُؤتمر، أَن نَتَوصَّلَ إلى بلورة تَوصياتٍ عَملية وحُلولٍ قابلة للتَطبيقِ في البُلدانِ الإفريقيةِ، وتبنيَ أحسن المقاربات الفعالة في مَجالِ التأمين قصد إيجاد الحلول التقنية وبَحْث فُرَصِ التَّمويل، وتَدوير مَوارِد التَّمويل بين القطاعات المُنتجة، وإِشْراك المُؤمّنين ومعيدي التأمين في عَملية التَّنمية الاقتصاديةِ.
وفي هذا الإطار، فإن التحديات التي تتطلب حلولا مبتكرة من طرف قطاع صناعات التأمين، تكمُن أساسا في مواجهة تداعيات التغييرات المناخية على الأمن الغذائي في القارة الإفريقية، واستدامة سياسات عمومية ناجعة وناجحة في الحفاظ على التوازنات الخارجية، وكذلك عصرنة الشعب الفلاحية قصد الحفاظ على دخل الفلاحين بالموازاة مع دعم القدرة الشرائية للمواطن، من خلال تفعيل أجهزة الضبط.
وبهذا الصدد، فإن الهدف المنشود يتجلى في جعل الفلاحين والمستثمرين في منأى عن التخوف والعزوف عن الاستثمار في القطاع الفلاحي، نتيجة آثار التقلبات المناخية بما فيها الجفاف والفيضانات وحرائق الغابات، التي تتسبب في الكثير من الأحيان في استفحال الهشاشة المالية للفلاحين والعاملين في القطاع الفلاحي؛ وهو ما يستدعي إعادة دراسة معمقة في تعريف المخاطر المُؤمّنة في الفلاحة، بما يسمح بالحد من المخاطر غير المؤمنة ووضع تصور شامل وجامع في هذا الإطار.
ولا شك أنه من بين النتائج الملموسة لهذا التصور، يبقى تحسين الإطار التنظيمي والقانوني وطرق تسيير قطاع التأمين، لتوسيع التغطية التأمينية بالنسبة لصغار الفلاحين والمؤسسات المصغرة وكذا المستثمرين في الميدان الفلاحي، من خلال إيجاد آليات مبسطة وسبل تواصل فعالة، وهذا ما يقودنا إلى التطرق إلى دور الرقمنة والإبتكار في تذليل الكثير من العقبات خاصة الإجرائية منها وتوفير أحسن الأداءات.
كما نتطلع من خلال مؤتمركم هذا إلى تحسين مساهمة قطاع التأمينات في قارتنا في مجال الادخار المؤسساتي من خلال استثمار الاحتياطات والالتزامات في سندات أو استثمارات مالية طويلة الأمد أو في مشاريع تنموية.
وجدير بالذكر أن الاحصائيات العالمية قد أبانت أن مجموع أقساط التأمين المكتتبة من قبل صناعة التأمين العالمية بلغ في سنة 2021 ما قيمته 6861 مليار دولار أمريكي، منها 44% تخص التأمينات على الأشخاص، و 56% تتعلق بالتأمين على الأضرار والممتلكات، مع تسجيل نسبة نمو تناهز 6% في سنة 2022.
وحسب هذه الإحصائيات، فإن صناعة التأمين الإفريقية لم تتعد نسبة 1,08% من الصناعة العالمية للتأمين. بل إن قطاع التأمين يساهم بنسبة 2,7% في الناتج الداخلي الخام، وهذا ما يبرز إمكانات السوق الإفريقية التي نتطلع إلى استغلالها لتنمية اقتصاد البلدان الإفريقية.
أيتها السيدات الفضليات أيها السادة الأفاضل،
لقد عرف قطاع التأمين في الجزائر عدة إصلاحات سمحت بفتح السوق لشركات جديدة خاصة وأجنبية، حيث ارتفع عدد الشركات من 6 شركات عمومية سنة 1995 الى 25 شركة في الوقت الحالي ذات رؤوس أموال سواء عمومية أو خاصة أو أجنبية أو مختلطة.
وقد تم في سنة 2006 تعزيز الاطار القانوني، مما سمح بدفع وتيرة نمو نشاط التأمين، مما أدى بالرفع من حجم السوق بثلاث مرات خلال الخمس عشر سنة الأخيرة، وما يعادل أكثر من 1,1 مليار دولار خلال سنة 2022.
وحاليا، فإن السلطات العمومية بصدد الانتهاء من إعداد مشروع قانون جديد للتأمينات سوف يعرض على البرلمان بغرفتيه قبل السنة الجارية لجعل قطاع التأمينات في الجزائر أكثر جاذبية.
غير أنه وبحكم ضعف نسبة مساهمة القطاع في الناتج الداخلي الخام، وهذا على غرار البلدان الافريقية التي لم تتجاوز فيها هذه النسبة 1%، فإن بلداننا تتطلع لتحسين أداء السوق من خلال جملة من الإجراءات الرامية إلى:
- فتح الأسواق في إطار منطقة التبادل الافريقي الحر،
- تعزيز التعاون وتبادل المعلومات المرتبطة بتسيير المخاطر لاسيما المخاطر المناخية،
- ترقية شمولية السوق الافريقية لإعادة التأمينات،
- تحسين حوكمة وملائمة شركات التأمين وإعادة التأمين،
- عصرنة سوق التأمين من خلال التعجيل بوتيرة الرقمنة وتقديم منصات رقمية للاكتتاب ولتعويض الضحايا وكذا وسائل الدفع الكترونية،
- تنويع العروض التأمينية في إطار الشمول المالي وتحضير القطاع للتكفل بالمخاطر الجديدة،
- تحسين نوعية الخدمات المقدمة للمؤمن لهم،
وفي الأخير، فإنه من الضروري التذكير بجوهر الرهانات القائمة على مرافقة شركات التأمين الافريقية للتَّطوُّرِ التِكْنُولوجِي والرَّقميِ، بما في ذلك الاعتماد على قواعد البيانات الكبرى التي يمكن تجميعها على المستوى الافريقي وتقديم حلول ونماذج تأمينية تُعنى بالأخطار المشتركة لاسيما تلك التي لا تتوفر على تغطيات تأمينية كافية.
وإننا واثقون بأن نتائج وتوصيات أشغال هذا المؤتمر وكذا الجمعية العامة، ستساهم دون أي شك في توضيح معالم وسبل تطوير حوكمة شركات التأمين وإعادة التأمين الافريقية والرفع من تنافسيتها، في إطار تعزيز العمل الافريقي البيني من خلال تعبئة القدرات المؤسساتية والخبرات وكذا الموارد المالية، لوضعها في خدمة تحقيق وضمان الأمن الغذائي في افريقيا.
أيتها السيدات الفضليات أيها السادة الأفاضل،
لا يسعني في ختام هذه الكلمة، إلا أن أرحب بِكم مرة أخرى، على أَمَلِ أَن تُثْرَى جَلسَاتُكم ووَرَشَاتُكم بِنِقاشَاتٍ قَيِّمةٍ، بما يسمح باستنتاج طرق وتدابير عَمَليةٍ ومُفيدة تَرقَى إلى تطلعات تنمية الاقتصاد الافريقي وازدهاره، متمنيا لَكُم إِقَامَةً طَيِّبَة، ولأشغالكم كل التوفيق وتمام النَّجَاحَ.




