عميد جامع الجزائر: “لا سكينة بلا إيمان”
في ندوة علميّة بدار القرآن، عنوانها: " نحو نفس سويّة، برؤية علميّة وهُوّية إسلاميّة ", عميد جامع الجزائر يصرح أنه "لا استقرار للنفس ولا اطمئنان، إلاّ حين يتصالح الإنسان مع خالقه ومع ذاته، ومع العالم من حوله."

«.. إنّ الحديث عن الصحّة النفسيّة، هو حديث عن النفس السويّة، حديثٌ عن معمار الإنسان، في توازنه بين العقل والرّوح، وبين العِلم والإيمان. والنفس السويّة هي الّتي تسكن إلى الحقيقة والرّشاد، ولا تخضع للأهواء والشّهوات. النفس السويّة تستمدّ السكينة والطمأنينة من قول الله، جلّ في علاه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرّعد: 28-29]. إذ لا سكينة بلا إيمان، ولا استقرار للنفس ولا اطمئنان، إلاّ حين يتصالح الإنسان مع خالقه ومع ذاته، ومع العالم من حوله..»
«.. لقد قدّم العلم الحديث توصيفات دقيقة للاضطرابات النفسيّة، ومظاهر القلق، وأقسام الانفعالات؛ لكنّه لم يستطع أن يقدّم بديلاً عن تلك الطمأنينة العميقة التي يسكبها الذِّكر في القلب المؤمن. فبينما يبحث الطبّ النفسيّ عن أسباب التوتّر في دوائر الهرمونات والناقلات العصبية، يعلّمنا القرآن أنّ منشأ القلق أعمق من الجسد، وأنّ دواءه يبدأ من إعادة بناء العلاقة مع الله، ثمّ مع الإنسان، وتصحيح نظرته إلى الكون والحياة.
إنّ الرؤية الإسلاميّة للنفس ليست نقيضًا للعلم، بل هي إتمامٌ له من جهة المعنى. فهي تدعو إلى العلم بالسّنن، وإلى الفهم الدقيق للنفس، لكنّها تذكّرنا بأنّ العلم إذا انقطع عن الإيمان، تحوّل إلى معرفةٍ بلا هداية، وأنّ الإيمان إذا انفصل عن العلم، انزلق إلى عاطفةٍ بلا وعي. ومن هذا التوازن يولد الإنسان السويّ: عارفًا، مؤمنًا، عاملًا، مطمئنًّا..»
«.. ومن هنا، تأتي رسالة جامع الجزائر، من خلال دار القرآن، وغيرها من المؤسّسات. نريد أن يكون الجامع منارةً لتلاقي العلوم الكونيّة وسائر العلوم الحديثة مع أنوار الوحي، في مشروعٍ معرفيٍّ يعيد إلى الخطاب الدينيّ الفقه العلميّ الرّاشد؛ يربط الإنسان بربّه، ويرسخ الإيمان في قلبه؛ ويهديه بإذن الله إلى سواء السبيل. فبالعلم نكتشف القوانين؛ وبالإيمان نفهم الغاية؛ وبالذكر نحيا الحياة الطيّبة التي وعد الله بها عباده الصالحين..»
«.. وفّقكم الله، وأنجح مسعاكم. أسأله تعالى أن يجعل من فعاليات ندوتكم بابًا إلى تأصيل رؤيةٍ علميةٍ تُنيرُ سبيل الباحثين، ورؤيةٍ إيمانيةٍ تُزكّي النفوس، وتُعيد إلى الإنسان توازنه وكرامته. فالإنسان، أينما كان، بحاجة إلى البعد الروحي ليستعيد توازنه، ولتستقيم على طريق الهدى أحواله ومسيرته..»




